لقد اصبح
من الدارج بين اوساط كثيرة من اكاديميي ومثقفي وسياسيي مدرسة التطبيع والتعايش مع
الكيان الصهيوني، والتي روّجت نخبتها ثقافة السوق خلال العقد الأخير، التطرق بشكل
لفظي ومختصر الى النكبة التي حلّت بالشعب الفلسطيني جرّاء وقوع وطنه تحت الاستعمار
الصهيوني عام 1948 ثم الانتقال دفعة واحدة، وبشكل غريب ومنافٍ لمنطق التحليل
العلمي الملتزم، الى التعامل مع نتائج هذا الإستعمار من خلال التسليم المسبق
بشرعية وحق وجود دولة الكيان الصهيوني ثم الابتعاد تدريجياً عن بديهية كونها كيان
استعماري عنصري لاجلائي أقيم اساساً كرأس حربة للإمبريالية الغربية في موقع القلب
من الوطن العربي. وهكذا ينحصر الاجتهاد الفكري والعمل السياسي النخبوي في محاولة
التعايش مع هذا الواقع من خلال المبالغة المبتذلة في التركيز على خصوصية فلسطينيي
1948، ليصبح العمق القومي لقضيتهم شعارات جوفاء يتم التشدق بها كغطاء رمزي فقط
لمشروع تعايش انهزامي، عموده الفقري حقوق مواطنين في دولة من المفترض ان تكون
ليبرالية وديمقراطية. بكلمات أكثر صراحة، بإمكاننا تشخيص حالة الخيانة الفكرية هذه
في الانطلاق من تحديد واقع استعماري غير شرعي مفروض على الأرض العربية وأصحابها
الأصليين ثم الانتهاء الى المساهمة في شرعنة هذا الواقع تحت حجج براغماتية
هزيلة.
بامكاننا
تحديد ثلاث ابعاد او مستويات، متداخلة ومكملة لبعضها البعض في اي محاولة لتحليل
وفهم واقع فلسطينيي الداخل، ترتكز كل منها على بديهية او حقيقة تاريخية واضحة لا
يمكن تجاهلها او تغييبها من التحليل طالما ان الحالة المصطنعة الناجمة عنها ما
زالت قائمة. أولاً، هنالك العلاقة الجدلية بين دور فلسطينيي الداخل في النضال
الوطني العام وبين حقوق الناس المطلبية اليومية في ظل الظروف الموضوعية. ثانياً،
هنالك جدلية العلاقة بين فلسطينيي الداخل
(1948 و1967) وفلسطينيي الشتات ومساهمة كل قطاع حسب موقعه في مسيرة التحرر
الوطني الواحدة. ثالثاً، هنالك العمق القومي للقضية الفلسطينية من جهة ومركزية فلسطين
في قضية الأمة العربية والوطن العربي الكبيرمن جهة اخرى.
أية محاولة
للتحليل العلمي للظروف الموضوعية لفلسطينيي الداخل، بحكم كونهم مواطنين في دولة
الكيان الصهيوني، لا بد ان تنطلق من بديهية كونهم لم يناضلوا يوماً ما من اجل قيام
دولة اسرائيل، لم يهاجروا الى الدولة الجديدة كمعظم الأقليات القومية والاثنية في
العالم، ولم يتنازلوا يوماً ما عن انتمائهم القومي لشعبهم الفلسطيني وامتهم
العربية ولا عن حقهم الشرعي في وطنهم بدل الالتحاق بكيان استعماري عنصري اقيم على
انقاض شعبهم.
قبل ان
نتطرق لمسألة الحقوق المدنية والمساواة في حدود المواطنة الرسمية لا بد من تحديد
مفهوم "الاقلية القومية" والذي كثر اقحامه مؤخراً في النقاش السياسي بعد
ان تم تفريغه من مضمونه ومعناه الحقيقي. ففي هذا السياق يجب ان نميز بين نوعين من
الأقليات القومية (او الاثنية) في العالم. اولا، هنالك الاقليات الارادية التي
هاجرت من محض ارادتها، وبغض النظر عن الأسباب التي دفعتها للهجرة الى بلد جديد
تاركة البلد الاصلي والوطن وراءها بهدف الاندماج والتعايش في المجتمع الجديد الذي
هاجرت اليه. فهذا النوع من الاقليات الاثنية يتخذ من مفهوم المواطنة والمساواة في
الحقوق المدنية في الدولة الجديدة التي اختارها المرجعية الاساسية لحقوقه
الجماعية. اما النوع الثاني من الاقليات القومية فهو الاقليات غير الارادية والتي
فرض عليها الواقع الاستعماري والهيمنة الخارجية بالقوة. فهذه الاقليات القومية
تمتد قضيتها الى ابعد من حدود المواطنة في الكيان الاستعماري المفروض عليها رغم كل
محاولات الهيمنة والترويض التي تُمارس ضدها لأن وجودها يتنافى اساساً مع وجود
الاستعمار.
لقد شغل
هاجس جدلية العلاقة بين الانتماء والهوية القومية لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني
ودورهم في مسيرة التحرر الوطني من جهة، وبين مطالب الناس وحقوقهم المدنية اليومية
في ظل الظروف الموضوعية التي يعيشونها من جهة اخرى، معظم الأحزاب والتنظيمات
السياسية النشطة داخل فلسطين 1948 ففي حين غلب الطابع المطلبي البراغماتي على
برامج احزاب التعايش والتكييف مع واقع الكيان الصهيوني الى حد تغييب الدور المناط
بفلسطينيي الداخل في حركة التحرر الوطني (جميع احزاب البرلمان رغم التفاوت الشكلي
بينها حول بعض القضايا الثانوية)، فقد تمسك التيار القومي والاسلامي الذي يرفض
التعايش والاقرار بشرعية الكيان الصهيوني بالبعد الاستراتيجي للقضية الفلسطينية
دون ان يتمكن من صياغة برنامج عملي يهتم بقضايا الناس المطلبية والحياتية (حركة
الأرض ومن ثم حركة ابناء البلد والحركة الاسلامية).
وبين الانشداد الى المطلبي من جهة والتمسك
بالعمق القومي للقضية من جهة اخرى يبقى السؤال الجوهري حول مدى فهم العلاقة
الجدلية بين شقي هذه المعادلة ومن ثم صياغة برنامج فكري وسياسي عملي يمكن هذا
الجزء المتبقي من شعبنا في الوطن من المساهمة الفعلية في مسيرة التحرر الوطني وضمان
الحد الادنى من حقوقهم الانسانية في ظل الظروف الموضوعية الراهنة. من الواضح بأن
الذي كان دائما وما زال يحسم الانشداد الى احد شقي المعادلة على حساب الاخر هو ليس
امكانية التوفيق بينهما في ظل الظروف الموضوعية كما يدعي الكثير، ولكنه الموقف
المبدأي المسبق من الاقرار بشرعية الكيان الصهيوني في فلسطين ام لا. وهكذا فإن
المسألة هي ليست ما هو الممكن تحقيقه في الوضع الحالي بالمعنى التكتيكي وانما
الموقف المبدأي من الدولة وشرعيتها هو الذي يحدد البرنامج السياسي والعملي الذي
يتضمن توازن مناسب بين القومي والمطلبي في نضال فلسطينيي الداخل.
تتبادر
لذهن المتتبع لخطاب مرحلة الهزيمة، والذي تتشدق رموزه ببراعتها في الجمع بين
القومي والمطلبي، مجموعة من الأسئلة لا يمكن تجاهلها: هل المساواة الكاملة في
الحقوق بين العرب واليهود في اسرائيل، وإن كان ذلك يعني تغيير اسم الدولة
وشعاراتها وتعديل بعض قوانينها وتجميلها بشكل يسمح "بالشراكة" التامة،
هل هي مساواة لمن يعيش فيها من مواطنين فقط؟ هل هذه المساواة هي الهدف
النهائي الدائم ام انها خطوة مرحلية في مسيرة نضال طويلة تنتهي الى عودة جماعية
للاجئين الفلسطينيين، بما فية تعديل جوهري للتفوق الديمغرافي اليهودي بإتجاه
العودة الى حالة فلسطين الطبيعية قبل الغزو الصهيوني، وتفكيك المشروع الاستيطاني،
واستبداله بدولة علمانية ديمقراطية في فلسطين التاريخية، والتي هي بدورها خطوة
مرحلية لا بد منها بإتجاه صناعة وحدة عربية حقيقية في وطن عربي موحد حر تقدمي تمتد
حدوده من المحيط الى الخليج؟ أكثر من عشر سنوات من المراوغة الفكرية والفهلوة في
العمل السياسي بينت بالملموس أن خطاب مرحلة الهزيمة قد تنازل كلياً عن حق العودة
للاجئين الفلسطينيين من جهة، وأن "لا ناقة له ولا جمل" في مشروع القومية
والوحدة العربية من جهة أخرى.
فعلى سبيل
المثال، يعلل اميل توما شرعية الكيان الصهيوني منذ تأسيسه على ان المستوطنين
اليهود في فلسطين قد اصبح لهم ملامح قومية حتى قبل قيام الدولة وهكذا فهو يمنحهم
حق تقرير المصير في فلسطين متجاهلاً الطابع الاستيطاني الكولونيالي لهذا التجمع
(اميل توما: الماركسية اللينينية وحل القضية الفلسطينية، 1985). وعزمي بشارة
اليوم، من تلاميذ توما سابقا، يقول ان اليهود في اسرائيل قد خلقوا حضارة وثقافة
هنا بعد خمسين سنة رغم انه ضد الصهيونية كحركة استعمارية بالأساس (علي سمنية:
علاقة فلسطيني ال48 بالدولة العبرية، بالكنيست وبالمستقبل، 2000). فطالما انت ضد
الصهيونية كحركة عنصرية، فكيف تبارك وليدها وتساهم في شرعنة وجوده على ارض وانقاض
شعبك حتى وإن استكملت ملامح تشكيلة ما يمكن اعتباره شعب في طور التكوين؟ حتى لو
نجحت الصهيونية في صناعة شعب من اليهود الذين احضرتهم للإستيطان في فلسطين،
فالتسليم بهكذا منطق غريب يعني الغاء حق وجود الشعب العربي الفلسطيني الذي تم
تفكيكه وتهجيرة كخطوة لا بد منها لإستكمال المخطط الصهيوني.
لنأخذ مثال
اكاديمي اخر. يتوصل نديم روحانا (1997) في دراستة حول "الهوية الجماعية
للفلسطينيين في اسرائيل" الى نتيجة صحيحة مفادها ان هنالك تناقض بين كون
الهوية القومية لهؤلاء الفلسطينيين هي عربية فلسطينية وبين كون الدولة التي هم
مواطنون فيها هي دولة يهودية. وعليه فهو يطرح مشروع توسيع هامش المواطنة لكي
تستوعب هؤلاء الفلسطينيين مع تمسكهم الرمزي بهويتهم القومية، وليس التمسك الفعلي
والعملي الذي يمكن ترجمته الى مطالبة حقيقية في الوطن. والحقيقة ان التاريخ يعلمنا
بأن القوميات والهوية القومية عادة تولد وتتبلور قبل وجود الدولة والتي ما هي الا
شكل معين من تحديد علاقة البشر ببعضهم البعض. وبما ان القومية تأتي قبل الدولة
فالامانة والاخلاق العلمية الاكاديمية الرصينة تقود الى نتيجة معاكسة تماماً
لمشروع روحانا، اي تفكيك الدولة واعادة صناعة واقع سياسي جديد ليس فقط لكي يعبر
هؤلاء الفلسطينيون عن هويتهم القومية من خلاله بشكل فعلي، بل وهو الاهم، واقع
سياسي جديد يمهد لعودة اللحمة لممارسة حق تقرير المصير لمن هو مشرد ومحتل ومواطن
من ابناء الهوية القومية الواحدة في وطنهم.
إستنتاج
روحانا صحيح بأن الهوية القومية للعرب الفلسطينيين في إسرائيل هي امتداد تاريخي
وحي للأمة العربية والشعب الفلسطيني رغم مطالبة دعاة التعايش بسلخ هؤلاء الفلسطينيين
عن أمتهم وشعبهم وربط مصيرهم بمصير الدولة الاستعمارية التي أقيمت أساساً على
أنقاض شعبهم الفلسطيني وحالت، وما تزال، دون وحدة أمتهم العربيه وتقدمها. وهنا
نضيف بأن الهوية الجماعية القومية هي مركب أساسي من المفهوم الذاتي للإنسان وهي
اكثر واعمق من مجرد استعمال لقب "انا عربي فلسطيني"، حيث تشمل الهوية
عوامل نفسية وسلوكية كثيرة من أهمها حق الأنسان ان يربط مصيرة ومستقبله الجماعي
بمصير الجماعة القومية التي ينتمي اليها. ففي حين يستطرد اصحاب "الفكر الجديد"
في تعميم اكتشافهم بان الهوية القومية للفلسطينيين في منطقة 1948 هي عربية
فلسطينية ، تجدهم يعودون ليصادروا مفهوم هذه الهوية القومية ويلتفوا حول اهم مركب
من مركباتها وهو حق الناس في ربط مصيرهم ومسقبلم بمصير المجموعة القومية التي
ينتمون اليها. ان حق تقرير المصير لهذه الأقلية القومية الفلسطينية، التي لم تهاجر
الى دولة المواطنة لتصبح اقلية هناك، يجب ربطه اولا وقبل كل شيء بمصير شعبها
الفلسطيني وامتها العربية وليس بدولة إستعمارية فرضت عليها.
ويُلاحظ
ايضاً تناقض صريح بين شعار "دولة كل مواطنيها" وشعار "حكم ذاتي ثقافي"
لأقلية قومية. فطالما الدولة هي لكل مواطنيها فمن المتفرض ان الثقافة المشتركة
والقانون واملاك الدولة ورموزها هي للجميع والا فهي دولة الاغلبية المهيمنة
وللأقلية حقوق ثقافية (وليس في الارض). ثم ولو عاد خمسة ملايين لاجئ فلسطيني الى
حدود هذه الدولة فما جدوى تثبيت مكانة الاقلية القومية اذن؟ اذا لم نتنازل عن حق
العودة لباقي شعبنا المشرد فإن وجودنا كمواطنين في هذه الدولة هو حالة مؤقتة حتى
تتم العودة وبالتالي فيجب ان نعمل على اننا اغلبية واصحاب الحق الشرعي في الوطن
وليس اقلية هبطت من السماء الى هذه الدولة. ولكن تحليل المواطنة والمساواة في
الحقوق لفلسطينيي الداخل وشعار "دولة كل مواطنيها" يبدأ من الاقرار
بشرعية ومصداقية الحاضر، اي من حقيقة وجود دولة تعرف نفسها كدولة يهودية في حين ان
هنالك 20% من مواطنيها هم عرب فلسطينيون. وهكذا فإن المسافة الممتدة بين التطرق
اللفظي لنكبة فلسطين عام 1948 والانتهاء بالتعامل البراغماتي مع الواقع الجديد
تحددها فهلوة ولباقة التلاعب في اللغة لدى مثقفي خطاب الهزيمة من جهة وغياب اليسار
الثوري الحقيقي من الميدان السياسي من جهة اخرى.
كل الشعب
الفلسطيني مشرد، فمنه من يقبع تحت نير الاحتلال في مناطق 1967، ومنه من يعيش كشبه
مواطن في الاردن، ومنه من يعيش في مخيمات اللاجئين على طول حدود الوطن، ومنه من
يحمل جنسيات اجنبية ويعيش في الشتات. ففي حين تجد هنالك اجماعاً في الخطاب
الفلسطيني على ان الموقف الأساسي بالنسبة لكل هذه التجمعات هو العودة والحرية والاستقلال
وليس المساواة وتوسيع حدود المواطنة في الدول التي يعيشون فيها، فلماذا يتم
استثناء فلسطينيي الاحتلال الاول (1948) من هذه المعادلة والافراط في الحديث عن
مسألة المواطنة والحقوق المدنية إن لم يكن كل ذلك من اجل عيون الكيان وليس مصالح
الناس الحقيقية؟
إن منطق
الفصل بين القضية الوطنية ببعدها الاستراتيجي والقضايا المطلبية من حقوق ومساواة
وما الى ذلك، يُستمد من اعتبار القضية الوطنية ببعدها الاستراتيجي لا تشمل هذا
الجزء من شعبنا وإنما تخص جماعة أُخرى نتضامن معها ومع قضيتها في أحسن الأحوال.
إن الدمج الحقيقي والعملي بين
مركبات القضية المطلبية اليومية من جهة، والوطنية الاستراتيجية من جهة أخرى لا يتم
إلا من خلال عمل جماهيري منظم ومكثف يفرض على سلطة الاستعمار الاعتراف بحقوقنا
الأنسانية والمطلبية دون التسليم بشرط اندماجنا في الدولة حتى ولو كان ذلك الاندماج
بشكل هزيل وهامشي وعلى حساب تخلينا عن هويتنا القومية وحقنا في وطننا الذي لم نعرف
وطناً سواه.
اما
بالنسبة لجدلية الداخل والخارج، فالبديهية الواضحة تقول بأن الوجود الجماعي للشعب
العربي الفلسطيني وحقه التاريخي في الوطن، مازال هو المستهدف الاول من قبل مشروع
استعماري همجي شرس تم فرض تجسيده الاول عام 1948، ولم ينته عند احتلال باقي فلسطين
وضرب المقاومة المسلحة في لبنان وقتل الانتفاضة الاولى ومشروع اوسلو وحصار شعبنا
المتواصل في الضفة والقطاع. إن الادعاء بأن القيادة الفلسطينية قد تخلت عن هؤلاء
الفلسطينيين وبالتالي فعليهم ان يتدبروا امورهم لوحدهم، يدل على ضحالة فكر الهزيمة
الذي قاد الى نتيجة خلاصتها الدعوة للاندماج الهزيل في دولة اسرائيل على امل
"دمقرطتها" وتحويلها الى "دولة كل مواطنيها". اي منطق سياسي
هذا الذي يلغي حق هذا الجزء من الشعب الفلسطيني في مواصلة المسيرة النضالية ضد
المشروع الصهيوني، ومن موقعهم في الداخل، حتى ولو تنازلت القيادة اليمينية عنهم
وعن حقهم التاريخي في فلسطين؟
لا يوجد
جدل حول الحقيقة بأن تقسيم وتفكيك الوطن العربي ومن ثم زرع الكيان الصهيوني كجسم
غريب في القلب هو مشروع امبريالي استعماري بالاساس. نفس قلم الاستعمار الغربي الذي
اقتطع احد محافظات البصرة في جنوبي العراق وحولها الى امارة الكويت، وهي بحكم
موقعها الجغرافي تحاصر منفذ العراق الى مياه الخليج، هو نفس قلم الاستعمار الذي
قام بتقسيم فلسطين وهي ما زالت تحت سيطرته ليزرع دولة يهودية على طول ساحل البحر
المتوسط وقناة السويس كونها المنفذ المائي الاستراتيجي لاسواق الهند وشرق اسيا.
فيا للمفارقة، ان يتم استعمال قنات السويس نفسها التي "ارتدتها" مصر من
اسرائيل كجزء من مشروع كامب ديفد بشرط ان تضعها تحت تصرف الولايات المتحدة
الامريكية لتعود وتمر اساطيلها الحربية منها في طريقها لحملتها الهمجية لتدمير
العراق. فكيف لا يكون الاستعمار ورأس المال الغربي هو رأس الحية؟ وكيف لا يكون
وجود الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي قاعدة عسكرية امبريالية دورها الأساسي
نسف أي محاولة لوحدة الامة العربية؟
ان نقوم
بعزل قضية فلسطين عن مسألة الامة العربية الشاملة فهذا تواطؤ مع مشروع التجزئة
والقطرية. وان نقسّم نضال الشعب الفلسطيني الى داخل وخارج او مواطنين في دولة
الكيان واحتلال دون الربط المبدئي بين جميع اجزاء الجسد الواحد والتمسك بوحدة
المصير رغم كل الظروف الموضوعية، فهذه مساهمة في شرعنة الاحتلال. أية محاولة لطرح
خطاب فكري او برنامج سياسي بخصوص الحقوق المطلبية لفلسطينيي الاحتلال الاول لا
ينطلق من حقيقة كونهم جزءاً طبيعياً من مسيرة تقرير المصير التي يخوضها الشعب
الفلسطيني بكافة قطاعاتة، وجزءاً جوهرياً من قضية الامة العربية وحقها في الوحدة
القومية والتحرر من هيمنة المركز الامبريالي، فهذه مجرد خيانة فكرية لمشروع قومي
نوهم الناس بأننا ما زلنا نحميه وندافع عنه.
مجلة الجيل الجديد – حيفا،
العدد 6، أيلول 2002.
*الرفيق د.
ابراهيم مكاوي عضو في حركة أبناء البلد، تخصص علم النفس التربوي.